فصل: مروان يفسد توبة عثمان

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: عثمان بن عفان **


  رأي ابن عباس

قال ابن عباس فقلت‏:‏

‏"‏يا أمير المؤمنين، إنك قد ابتليتني بعد العافية، وأدخلتني في الضيق بعد السعة‏.‏ وواللَّه إن رأيي لك أن يجلُّ سنك ويعرف قدرك وسابقتك‏.‏ وواللَّه لوددت أنك لم تفعل ما فعلت مما ترك الخليفتان قبلك‏.‏ فإن كان شيئًا تركاه لما رأيا أنه ليس لهما، علمت أنه ليس لك كما لم يكن لهما وإن كان ذلك لهما فتركاه خيفة أن ينال منهما مثل الذي نيل منك تركته لما تركاه له ولم يكونا أحق بإكرام أنفسهما منك بإكرام نفسك‏.‏‏"‏

قال‏:‏ فما منعك أن تشير عليَّ بهما قبل أن أفعل ما فعلت‏؟‏ قال‏:‏ وعلمي أنك تفعل ذلك قبل أن تفعل‏.‏ قال‏:‏ فهب لي صمتًا حتى ترى رأيي‏.‏

 حملة معاوية على المهاجرين

لما خرج ابن عباس قال عثمان لمعاوية‏:‏

‏"‏ما ترى، فإن المهاجرين قد استعجلوا القدر ولا يد لهم مما في أنفسهم‏؟‏‏.‏

فقال معاوية‏:‏ الرأي أن تأذن لي فأضرب أعناق هؤلاء القوم‏.‏

قال‏:‏ من‏؟‏‏.‏

قال‏:‏ عليٌّ، وطلحة، والزبير‏.‏

قال عثمان‏:‏ سبحان اللَّه، أقتل أصحاب رسول اللَّه بلا حدث أحدثوه ولا ذنب ركبوه‏.‏

قال معاوية‏:‏ فإن لم تقتلهم فإنهم سيقتلونك‏.‏

قال عثمان‏:‏ لا أكون أول من خلف رسول اللَّه في أمته بإهراق الدماء‏.‏ قال معاوية‏:‏ فاختر مني إحدى ثلاث خصال‏.‏ قال عثمان‏:‏ وما هي‏؟‏‏.‏

قال معاوية‏:‏ أرتب لك ههنا أربعة آلاف فارس من خيل أهل الشام يكونون لك رداء وبين يديك يدًا‏.‏ قال عثمان‏:‏ أرزقهم من أين‏؟‏‏.‏

قال معاوية‏:‏ من بيت المال‏.‏ قال عثمان‏:‏ أرزق أربعة آلاف من الجند من بيت مال المسلمين لحرز دمي لا فعلت هذا‏!‏‏.‏

قال‏:‏ فثانية‏.‏

قال‏:‏ وما هي‏؟‏

قال‏:‏ فرّقهم عنك فلا يجتمع منهم اثنان في مصر واحد، واضرب عليهم البعوث والندب حتى يكون دبر بعير أحدهم أهم عليه من صلاته‏.‏

قال عثمان‏:‏ سبحان اللَّه‏.‏ شيوخ المهاجرين، وكبار أصحاب رسول اللَّه، وبقية الشورى، أخرجهم من ديارهم وأفرق بينهم وبين أهلهم وأبنائهم‏؟‏ لا أفعل هذا ‏[‏ص 158‏]‏‏.‏

قال معاوية‏:‏ فثالثة‏.‏

قال‏:‏ وما هي‏؟‏ اجعل لي الأمر الطلب بدمك إن قتلت‏.‏

قال عثمان‏:‏ نعم‏.‏ هذه لك إن قتلت فلا يطل دمي ‏[‏ابن قتيبة، الإمامة والسياسة‏]‏‏:‏

هذا ما جرى من المناقشة بين معاوية وعثمان ولم يوافقه عثمان على التنكيل بالمهاجرين بالقتل أو النفي، إنما وافقه على المطالبة بدمه، فلما قتل عثمان طالب معاوية عليًا بدم عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ وحاربه‏.‏ إن هذه الآراء التي أبداها معاوية لعثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ بشأن التنكيل بالمهاجرين قد وجدناها مسطورة في كتاب ‏"‏الإمامة والسياسة‏"‏ لابن قتيبة لكنا لا نصدق أن معاوية أشار بقتل عليّ وطلحة والزبير أو نفيهم وقد بحثنا عن هذا الخبر في الطبري فلم نجد له أثرًا‏.‏

أما كتاب الإمامة والسياسة المشار إليه فمشكوك في صحة نسبته إلى ابن قتيبة‏.‏ ويرجح الأستاذ ‏"‏ده غوي‏"‏ أن هذا المصنف كتبه رجل مصري أو مغربي في حياة ابن قتيبة‏.‏

  خروج أهل الأمصار لنجدة عثمان

بعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري‏.‏ وبعث عبد اللَّه بن سعد معاوية ابن حُديج، وخرج من الكوفة القعقاع بن عمرو، وقام بالكوفة نفر يحضون على إعانة أهل المدينة منهم‏:‏ عقبة بن عامر، وعبد اللَّه بن أبي أوفى، وحنظلة الكاتب وغيرهم من أصحاب النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏.‏ ومن التابعين‏:‏ مسروق والأسود وشريح وعبد اللَّه بن حكيم وغيرهم‏.‏ وقام بالبصرة عمران بن حصين وأنس بن مالك وهشام بن عامر وغيرهم من الصحابة، ومن التابعين كعب بن سوار وهرم بن حيان وغيرهما‏.‏ وقام بالشام جماعة من الصحابة والتابعين وكذلك بمصر‏.‏ أما جيش الشام فقد تأخر، فلما بلغهم خبر مقتل الخليفة عند منتصف الطريق بين الشام والمدينة قفلوا راجعين‏.‏ وقيل‏:‏ إن معاوية تعمَّد تأخير المدد‏.‏

  خطبة عثمان ورجمه بالحصباء

‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 654، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 52‏.‏‏]‏‏:‏

ولما جاءت الجمعة التي على أثر نزول المصريين المدينة خرج عثمان فصلى بالناس، ثم قام على المنبر فقال‏:‏ ‏"‏يا هؤلاء العِدى‏:‏ اللَّه اللَّه، فواللَّه إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ فامحوا الخطايا بالصواب فإن اللَّه عز وجل لا يمحو السيئ إلا بالحسن‏"‏‏.‏

‏[‏ص 159‏]‏ فقام محمد بن مسلمة فقال‏:‏ أشهد بذلك، فأخذه حكيم بن جبلة ‏(‏من جيش البصرة‏)‏ فأقعده‏.‏ فقام زيد بن ثابت فأقعده محمد ابن أبي قتيرة‏.‏ وثار القوم بأجمعهم، فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد وحصبوا عثمان حتى صرع على المنبر مغشيًا عليه، فاحتمل، فأدخل داره، واستقل نفر من أهل المدينة مع عثمان منهم سعد بن مالك، والحسن بن علي، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، فأرسل إليهم عثمان يعزم عليهم بالانصراف فانصرفوا‏.‏

وأقبل عليّ وطلحة والزبير فدخلوا على عثمان بعودته من صرعته، ويشكون بثهم، ثم رجعوا إلى منازلهم‏.‏

وصلى عثمان بالناس بعد ما نزل به في المسجد ثلاثين يومًا، ثم منعوه الصلاة، وصلى بالناس أميرهم الغافقي، وتفرَّق أهل المدينة في حيطانهم، وأُلزموا بيوتهم، لا يجلس أحد ولا يخرج إلا بسيفه يمتنع به، وكان الحصار أربعين يومًا ومن تعرَّض لهم وضعوا فيه السلاح‏.‏

وقيل‏:‏ إن عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ خطب الناس وقال لهم‏:‏

‏"‏إنهم قد أسرعوا الفتنة، واستطالوا عمري، واللَّه لئن فارقتهم ليتمنون أن عمري كان عليهم مكان كل يوم سنة، يرون من قدماء المسفوكة والإحن والأثرة الظاهرة والأحكام المغيرة‏.‏‏"‏

  زيارة عثمان لعلي في بيته ورجوع المصريين

‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 657، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 54‏]‏‏:‏

جاء عثمان إلى عليٍّ فدخل عليه بيته فقال له‏:‏ يا ابن عم، إن قرابتي قريبة ولي عليك حق عظيم، وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم وهم مصبحي، ولك عند الناس قدر، وهم يسمعون منك، وأحب أن تركب إليهم فتردهم عنِّي، فإن في دخولهم عليَّ توهينًا لأمري وجراءة عليَّ‏.‏

فقال علي‏:‏ على أيِّ شيء أردهم عنك‏؟‏‏.‏

قال‏:‏ على أن أصير إلى ما أشرت إليه ورأيته لي‏.‏

فقال عليٌّ‏:‏ إني قد كلمتك مرة بعد أخرى فكل ذلك تخرج وتقول، ثم ترجع عنه، وهذا من فعل مروان وابن عامر ومعاوية وعبد اللَّه بن سعد‏.‏ فإنك أطعتهم وعصيتني‏.‏

قال عثمان‏:‏ فأنا أعصيهم وأطيعك‏.‏ فأمر عليٌّ الناس، فركب ومعه من المهاجرين والأنصار ثلاثون رجلًا فيهم سعيد بن زيد، وأبو جهم العدوي وجُبير بن مطعم ‏[‏هو جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، أبو سعيد، القرشي، المتوفى، سنة 58 هـ‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ تهذيب الكمال ج 1/ص 184، تهذيب التهذيب ج 2/ص 63، تقريب التهذيب ج 1/ص 125، خلاصة تهذيب الكمال ج 1/ص 161، الكاشف ج 1/ص 180، تاريخ البخاري الكبير ج 2/ص 225، تاريخ البخاري الصغير ج 1/ص 6، الجرح والتعديل ج 2/ص 113، تجريد أسماء الصحابة ج 1/ص 78، أسد الغابة ج 1/ص 322، الإصابة ج 1/ص 462، الاستيعاب ج 1/ص 432، شذرات الذهب ج 1/ص 59، الوافي بالوفيات ج 11/ص 58، البداية والنهاية ج 8/ص 46، سير أعلام النبلاء ج 3،ص 95، الثقات ج 3/ص 50، أسماء الصحابة الرواة ترجمة 57، نقعة الصديان ترجمة 83‏]‏، وحكيم بن حزام، ومروان، وسعيد بن العاص، وعبد ‏[‏ص 160‏]‏ الرحمن بن عتاب بن أسيد‏.‏ ومن الأنصار أبو أسيد الساعدي وأبو حميد، وزيد بن ثابت، وحسان بن ثابت وكعب بن مالك ‏[‏هو كعب بن مالك بن عمرو بن القين، الأنصاري، السلمي ‏(‏بفتح السين واللام‏)‏، الخزرجي، صحابي من أكابر الشعراء من أهل المدينة، اشتهر في الجاهلية، كان في الإسلام من شعراء الرسول ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، شهد أكثر الوقائع، ثم كان من أصحاب عثمان، وأنجده يوم الثورة، وحرَّض الأنصار على نصرته، ولما قُتل عثمان قعد عن نصرة علي، فلم يشهد حروبه، عُمي في آخر عمره وعاش سبعًا وسبعين سنة، توفي سنة 50 هـ‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ الأغاني ج 15/ص 29، الإصابة 7433، نكت الهميان 231، خلاصة تهذيب الكمال ج 2/ص 273، رغبة الأمل ج 2/ص 73، المرزباني 342، حُسن الصحابة ص 43، خزانة الأدب للبغدادي ج 1/ص 200‏]‏، ومن العرب نيار بن مكرز ‏[‏في الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 658‏:‏ ‏"‏نيار بن مِكْرم‏"‏‏.‏‏]‏، فأتوا المصريين بذي خشب فكلموهم، وكان الذي يكلمهم عليًا ومحمد بن مسلمة‏.‏ فسمعوا كلامهما ورجعوا إلى مصر‏.‏

فقال ابن عديس لمحمد بن سلمة‏:‏ أتوصينا بحاجة‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ تتقي اللَّه وترد من قِبلك عن إمامهم، فإنه قد وعدنا أن يرجع وينزع‏.‏ قال ابن عديس‏:‏ أفعل إن شاء اللَّه‏.‏

ورجع عليّ ومن معه إلى المدينة فدخل على عثمان فأخبره برجوعهم وكلمه بما في نفسه وخرج من عنده‏.‏ فمكث عثمان ذلك اليوم وجاءه مروان، بكر الغد‏.‏ فقال له‏:‏ تكلَّم وأعلم الناس أن أهل مصر قد رجعوا، وأن ما بلغهم عن إمامهم كان باطلًا قبل أن يجيء الناس إليك من أمصارهم، ويأتيك ما لا تستطيع دفعه‏.‏ ففعل عثمان‏.‏ فلما خطب الناس قال له عمرو بن العاص‏:‏ اتق اللَّه يا عثمان فإنك قد ركبت أمورًا وركبناها معك فتب إلى اللَّه نتب‏.‏ فناداه عثمان‏:‏ وإنك هنا يا ابن النابغة قَملت واللَّه جبتك منذ عزلتك عن العمل‏.‏ فنودي من ناحية أخرى‏:‏ تب إلى اللَّه‏.‏ فرفع يديه واستقبل القبلة وقال‏:‏ ‏"‏اللَّهم إني أول تائب‏"‏‏.‏

وخرج عمرو بن العاص إلى فلسطين‏.‏ وكان يقول‏:‏ واللَّه إني كنت لألقى الراعي فأحرضه على عثمان‏.‏

  توبة عثمان

‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 658، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 54‏.‏‏]‏‏:‏ ‏[‏ص 161‏]‏‏.‏

تاب عثمان بناء على طلب عمرو بن العاص، وقيل‏:‏ إن عليًا جاء عثمان بعد انصراف المصريين فقال له‏:‏ تكلَّم كلامًا يسمعه الناس منك ويشهدون عليه ويشهد اللَّه على ما في قلبك من النزوع والإنابة‏.‏ فإن البلاد قد تمخضت عليك فلا آمن ركبًا آخرين يقدمون من الكوفة فتقول‏:‏ يا علي اركب إليهم، ولا أقدر أن أركب إليهم، ولا أسمع عذرًا، ويقدم ركب آخرون من البصرة فتقول‏:‏ يا عليّ اركب إليهم، فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك، واستخففت بحقك‏.‏ فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها وأعطى الناس من نفسه التوبة، فحمد اللَّه وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال‏:‏

‏"‏أما بعد، أيها الناس فواللَّه ما عاب من عاب منكم شيئًا أجهله، وما جئت شيئًا إلا وأنا أعرفه، ولكني منتني نفسي وكذبتني وضلَّ عني رشدي‏.‏ ولقد سمعت رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ يقول‏:‏ ‏"‏مَن زلَّ فليتب ومَن أخطأ فليتب ولا يتمادى في الهلكة ‏[‏ابن كثير في البداية والنهاية ‏(‏7‏:‏ 172‏)‏‏.‏‏]‏‏.‏ إن من تمادى في الجور كان أبعد من الطريف فأنا أول من اتعظ‏.‏ أستغفر اللَّه مما فعلت وأتوب إليه‏.‏ فمثلي نزع وتاب‏.‏ فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروني رأيهم لئن ردني الحق عبدًا لأستنن بسنة العبد، ولأذلنَّ ذل العبد ولأكوننَّ كالمرقوق ‏[‏المرقوق‏:‏ الرقيق‏]‏ إن مُلك صبر، وإن عُتِق شكر، وما عن اللَّه مذهب إلا إليه فلا يعجزن منكم خياركم أن يدنوا إليَّ لئن أبت يميني لتتابعني شمالي‏"‏‏.‏

فرقَّ الناس له يومئذٍ، وبكى من بكى منهم، وقام إليه سعيد بن زيد فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين ليس بواصل لك من ليس معك‏.‏ اللَّه اللَّه في نفسك فأتمم على ما قلت‏.‏

أورد الطبري ‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 658‏.‏‏]‏ هذه الخطبة بنصها، وأتى على ملخصها ابن الأثير ‏[‏ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 54‏]‏ وقد تاب فيها أمام الناس واستغفر اللَّه‏.‏

 مروان يفسد توبة عثمان

‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 658، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 56‏]‏‏.‏

كان عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ مستسلمًا لمروان ولأقاربه، وهذا ما لاحظه عليٌّ ـ رضي اللَّه عنه ـ، ‏[‏ص 162‏]‏ فكان لهم تأثير شديد فيه‏.‏ فلما تاب هذه التوبة وخطب تلك الخطبة التي رقَّت لها قلوب الناس ودخل بيته، دخل عليه مروان وقيل‏:‏ إنه وجد مروان وسعيدًا ونفرًا من بني أمية ولم يكونوا شهدوا الخطبة، ‏(‏لكن لا بدَّ أنهم سمعوا بها إن لم يكونوا شهدوها‏)‏، فلما جلس قال مروان‏:‏ يا أمير المؤمنين أتكلم أم أصمت‏؟‏ فقالت نائلة ابنة الفرافصة، امرأة عثمان ـ‏:‏ لا، بل اصمت‏.‏ فإنهم واللَّه قاتلوه ومؤثموه‏.‏ إنه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها‏.‏ فأقبل عليها مروان فقال‏:‏ ما أنت وذاك، فواللَّه لقد مات أبوك وما يحسن يتوضأ‏.‏ فقالت له‏:‏ مهلًا يا مروان عن ذكر الآباء، تخبَّر عن أبي وهو غائب تكذب عليه، وإن أباك لا يستطيع أن يدفع عنه‏.‏ أما واللَّه لولا أنه عمَّه، وأنه يناله غمّه أخبرتك عنه ما لن أكذب عليه‏.‏ فأعرض عنها مروان‏.‏

ثم قال‏:‏ يا أمير المؤمنين أتكلَّم أم أصمت‏؟‏ قال‏:‏ بل تكلَّم‏.‏ فقال مروان‏:‏ بأبي أنت وأمي واللَّه لوددت أن مقاتلتك هذه كانت وأنت ممتنع منيع فكنت أول من رضي بها وأعلن عليها‏.‏ ولكنك قلت ما قلت حين بلغ الحزام الطُّبْيَيْن ‏[‏الطُّيْبَيْن‏:‏ حملة الضَّرْع للحيوان، أو الضَّرْع نفسه‏]‏ وخلف السيل الزُّبَى ‏[‏الزُّبَى‏:‏ الرابية لا يعلوها الماء، مفردها‏:‏ زُبية‏.‏ ‏[‏القاموس المحيط، مادة‏:‏ زبي‏]‏‏.‏ ‏]‏، وحين أعطى الخطة الذليلة الذليل‏.‏ واللَّه لإقامة على خطيئة تستغفر اللَّه منها أجمل من توبة تخوَّف عليها، وإنك إن شئت تقرَّبت بالتوبة، ولم تقرر بالخطيئة وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس‏.‏

فقال عثمان‏:‏ فاخرج إليهم فكلِّمهم فإني أستحي أن أكلمهم‏.‏ فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضهم بعضًا‏.‏ فقال‏:‏ ‏"‏ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم قد جئتم لنهب‏.‏ شاهت الوجوه‏.‏ كل إنسان آخذ بإُذُن صاحبه إلا من أريدَ‏.‏ جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا‏.‏ اخرجوا عنا لئن رميتمونا ليمرن عليكم منا أمر لا يسركم ولا تحمدوا غِبَّ رأيكم‏.‏ ارجعوا إلى منازلكم، فإنا واللَّه ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا‏"‏‏.‏

فرجع الناس وخرج بعضهم حتى أتى علياَ فأخبره الخبر‏.‏ فجاء علي ـ رضي اللَّه عنه ـ مغضبًا حتى دخل على عثمان‏.‏ فقال‏:‏ أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرّفك عن دينك وعن عقلك مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به واللَّه ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه‏.‏ وأيم اللَّه إني لأراه سيوردك، ثم لا يصدرك‏.‏ وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك‏.‏ أذهبت شرفك وغُلبت على أمرك‏.‏

  نائلة زوجة عثمان تنصحه وتحذره مروان

‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 659، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 57‏.‏‏]‏‏:‏ ‏[‏ص 163‏]‏‏.‏

لما خرج عليّ دخلت عليه نائلة زوجته، وقالت‏:‏ أتكلم أو أسكت‏؟‏ فقال‏:‏ تكلمي‏.‏ فقالت‏:‏ سمعت قول عليّ لك، وأنه ليس يعاودك، وقد أطعت مروان يقودك حيث شاء‏.‏ قال‏:‏ فما أصنع‏؟‏‏.‏ قالت‏:‏ تتقي اللَّه وحده لا شريك له، وتتبع سنة صاحبيك من قبلك، فإنك متى أطعت مروان قتلك‏.‏ ومروان ليس له عند الناس قدر ولا هيبة ولا محبة، وإنما تركك الناس لمكان مروان‏.‏ فأرسل إلى عليّ فاستصلحه فإن له قرابة منك فهو لا يعصيك‏.‏ فأرسل إلى عليّ فأبى أن يأتيه وقال‏:‏ قد أعلمته أني لست بعائد‏.‏

فبلغ مروان مقالة نائلة فيه، فجاء إلى عثمان فجلس بين يديه‏.‏ فقال‏:‏ أتكلم أو أسكت‏؟‏ فقال‏:‏ تكلم‏.‏ فقال‏:‏ إن بنت الفرافصة‏.‏ فقال عثمان‏:‏ لا تذكرنَّها بحرف فَأُسَوِّدُ ‏[‏ورد في الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 660‏:‏ ‏"‏فَأُسَوِّئ لك وجهك‏"‏، وفي ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 57‏:‏ ‏"‏فَأُسَوَّد وجهك‏"‏ ‏]‏ وجهك، فهي واللَّه أنصح لي منك‏.‏ فكفَّ مروان‏.‏

  ما خشيه مروان من توبة عثمان

لقد تاب عثمان عمَّا فعله باستشارة مروان وأمثاله من بني أمية، لأن عليًا أراد منه أن يذيع التوبة حتى ينصرف الأعداء عنه ولا يعودوا إلى التألب عليه‏.‏ فلما تاب رضي الناس عنه‏.‏ ونعتقد أن عثمان لو ترك وشأنه من غير تدخل هؤلاء المستشارين من أقاربه، لما فعل شيئًا مما استوجب سخط الناس عليه‏.‏ لكنهم ما كانوا يتركونه يتصرف في الأمور‏.‏ كانوا يملون عليه إرادتهم ويصرفونه حيث شاءوا، وكان لا يخالفهم لما ركب في طبعه من اللين ورقة الجانب للأقارب ولكبر سنه‏.‏

فلما استاء الناس منه وضايقوه وكلَّمه عليّ الذي استنجد به لردهم عنه، تاب وأذاع توبته على الملأ حتى بكى من سمعه، إلا أن هذه التوبة أسخطت مروان وأقارب عثمان، لأن فيها رجوعًا عن الخطة التي اتبعها فيما مضى، إذ التوبة تقضي عليه أن ينظر في شكاوى الناس فيولِّي من يصلح بغض الطرف عن القرابة، كما كان يفعل أبو بكر وعمر‏.‏ وهذا ما خشيه مروان‏.‏ ويدل على ذلك قوله للناس بعد خطبة عثمان‏:‏ ‏(‏تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا‏)‏‏.‏

هذا ما كان يخشاه مروان‏.‏ أما حياة عثمان الذي أغدق عليهم النعم، تلك الحياة التي كانت مهددة، فلم تكن تهمه، لأن مشورته هي التي بغضت الناس في عثمان‏.‏ انصرف الناس راضين ‏[‏ص 164‏]‏ وقالوا‏:‏ قد تاب الرجل، وما كاد علي يطمئن ويظن أنه قد أطاعه، حتى خرج عليهم مروان وهدم هذه السياسة الحميدة فغضب علي غضبًا شديدًا وغضب الناس‏.‏

وكان الأجدر بعثمان والحالة هذه أن يدع التردد بعد أن تبين له الحق والصواب ويمنع مروان من الكلام بما يخالف توبته، ويعلن تمسَّكه بما قال حتى لا يقال‏:‏ إن مروان يصرفه ويتحكم فيه، وأن ما يبرمه ويقرره الخليفة ينقضه مروان‏.‏

 غضب علي ـ رضي اللَّه عنه ـ

‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 660، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 57‏]‏‏:‏

أتى عثمان إلى عليّ بمنزله ليلًا فقال له‏:‏ إني غير عائد وإني فاعل‏.‏ فقال له عليٌّ‏:‏ بعد ما تكلَّمت على منبر رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ وأعطيت من نفسك، ثم دخلت بيتك فخرج مروان إلى الناس يشتمهم على بابك ويؤذيهم‏.‏ فخرج عثمان من عنده وهو يقول‏:‏ خذلتني وجرأت الناس عليَّ‏.‏ فقال عليٌّ‏:‏ واللَّه إني لأكثر الناس ذبًَّا عنك، ولكني كلما جئت بشيء أظنه لك رضا جاء مروان بأخرى فسمعت قوله وتركت قولي ولم يعد علي يعمل كما كان يعمل‏[‏ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 57‏]‏‏.‏

 الجرأة على عثمان

‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 660، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 58‏]‏‏.‏

قيل‏:‏ إن إبلًا من إبل الصدقة قدم بها على عثمان فوهبها لبعض بني الحكم، فبلغ ذلك عبد الرحمن ببن عوف فأرسل إلى المِسْوَر بن مَخْرَمَة ‏[‏هو المِسْوَر بن مَخْرَمَة بن نوفل بن أهيب، القرشي، الزهري، أبو عبد الرحمن، من فضلاء الصحابة وفقهائهم، أدرك النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ وهو صغير وسمع منه، كان مع خاله عبد الرحمن بن عوف ليالي الشورى، حفظ عنه أشياء، روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من أكابر الصحابة، شهد فتح أفريقية مع عبد اللَّه بن سعد، هو الذي حرَّض عثمان على غزوها، ثم كان مع ابن الزبير فأصابه حجر من حجارة المنجنيق في الحصار بمكة فقُتل‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ الإصابة ترجمة 7995، معالم الإيمان ج 1/ص 107، ذيل المذيل 20، السالمي ج 2/ص 181، نسب قريش 262، التاج ج 3/ص 284‏.‏‏]‏ وإلى عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، فأخذها فقسمها عبد الرحمن في الناس وعثمان في الدار ولا بدَّ أن هذه الحادثة التي رواها الطبري وابن الأثير كانت قبل سنة 35 هـ، لأن عبد الرحمن بن عوف توفي في سنة 32 هـ‏.‏

وقيل‏:‏ كان أول من اجترأ على عثمان بالقول جَبَلة بن عمرو الساعدي، مرَّ به عثمان وهو ‏[‏ص 165‏]‏ في نادي قومه وبيده جامعة ‏[‏الجامعة‏:‏ الغل، لأنها تجمع اليدين إلى العنق‏.‏ ‏[‏القاموس المحيط، مادة‏:‏ جمع‏]‏‏.‏‏]‏، فسلم، فرد القوم‏.‏ فقال جبلة‏:‏ لمَ تردون على رجل فعل كذا وكذا‏.‏ ثم قال لعثمان‏:‏ واللَّه لأطرحن هذه الجامعة في عنقك، أو لتتركن بطانتك هذه الخبيثة‏:‏ مروان وابن عامر وابن سعد‏.‏ منهم من نزل القرآن بذمه وأباح رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ دمه‏.‏ فاجترأ الناس عليه‏.‏

وقد تقدَّم قول عمرو بن العاص له في خطبته‏.‏ قيل‏:‏ وخطب يومًا وبيده عصا كان النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ وأبو بكر وعمر يخطبون عليها فأخذها جهجهاه الغفاري من يده وكسرها على ركبته اليمنى فدخلت شظية منها فيها فبقي الجرح حتى أصابته الأكلة في ركبته‏.‏

  طلب المهلة ثلاثة أيام

‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 663، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 61‏]‏‏:‏

عاد المصريون إلى عثمان وكتبوا له‏:‏

‏"‏بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏.‏ أما بعد، فاعلم أن اللَّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فاللَّه اللَّه، ثم اللَّه اللَّه فإنك على دنيا فاستتم إليها معها آخرة، ولا تنس نصيبك من الآخرة فلا تسوغ لك الدنيا‏.‏ واعلم إنا واللَّه، للَّه نغضب وفي اللَّه نرضى‏.‏ وإنا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى يأتينا توبة مصرَّحة، أو ضلالة مجلحة مبلّجة‏.‏ فهذه مقالتنا لك وقضيتنا إليك واللَّه عذيرنا منك والسلام‏.‏‏"‏

وكتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة ويحتجون ويقسمون له باللَّه لا يمسكون عنه أبدًا حتى يقتلوه، أو يعطيهم ما يلزمه من حق اللَّه‏.‏ فلما خاف القتل شاور نصحاءه وأهل بيته‏.‏ فقال لهم‏:‏ قد صنع القوم ما قد رأيتم فما المخرج‏؟‏‏.‏ فأشاروا عليه أن يرسل إلى عليِّ بن أبي طالب فيطلب إليه أن يردهم عنه ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتى يأتيه أمداده، لأنه كان كتب إلى معاوية كتابًا قال له فيه‏:‏ ‏"‏فابعث إليَّ من قبلك من مقاتلة أهل الشام‏"‏‏.‏

فقال عثمان‏:‏ إن القوم لن يقبلوا التعليل، وقد كان مني في قدمتهم الأولى ما كان، فمتى أعطهم ذلك يسألوني الوفاء به‏.‏

فقال مروان بن الحكم‏:‏ يا أمير المؤمنين مقاربتهم حتى تقوى طاولوك‏.‏ فإنما بغوا عليك فأرسل إلى عليّ فلما جاء قال‏:‏ يا أبا الحسن إنه قد كان من الناس ما قد رأيت، وكان مني ما قد علمت، ولست آمنهم على قتلي فارددهم عني، فإن لهم اللَّه عز وجل أن أعتبهم من كل ما يكرهون، وأن أعطيهم الحق من نفسي ومن غيري، وإن كان في ذلك سفك دمي ‏[‏ص 166‏]‏‏.‏

فقال له عليّ‏:‏ الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك‏.‏ وإني لأرى أقوامًا لا يرضون إلا بالرضى وقد أعطيتهم في قدمتهم عهدًا من اللَّه لترجعن عن جميع ما نقموا فرددتهم عنك، ثم لم تف لهم بشيء من ذلك، فلا تغرني هذه المرة من شيء، فإني معطيهم عليك الحق‏.‏ قال‏:‏ نعم فأعطهم، فواللَّه لأوفين لهم‏.‏ فخرج علي إلى الناس فقال‏:‏

‏"‏أيها الناس إنكم إنما طلبتم الحق فقد أعطيتموه‏.‏ إن عثمان قد زعم أنه منصفكم من نفسه ومن غيره وراجع عن جميع ما تكرهون‏.‏ فاقبلوا منه ووكدوا عليه‏.‏‏"‏

قال الناس‏:‏ قد قبلنا فاستوثق منه، فإنا واللَّه لا نرضى بقول دون فعل‏.‏ فقال لهم عليّ‏:‏ ذلك لكم‏.‏ ثم دخل عليه فأخبره الخبر‏.‏ فقال عثمان‏:‏ اضرب بيني وبينهم أجلًا يكون لي فيه مهلة فإني لا أقدر على ردِّ ما كرهوا في يوم واحد‏.‏ قال له عليّ‏:‏ ما حضر بالمدينة فلا أجل له‏.‏ وما غاب فأجله وصول أمرك‏.‏ قال‏:‏ نعم، ولكن أجلني فيما بالمدينة ثلاثة أيام ‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 664، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 61‏.‏‏]‏‏.‏ قال عليّ‏:‏ نعم‏.‏ فخرج إلى الناس فأخبرهم بذلك، وكتب بينهم وبين عثمان كتابًا أجَّله فيه ثلاثًا على أن يرد كل مظلمة، ويعزل كل عامل كرهوه‏.‏ ثم أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذ اللَّه على أحد من خلقه من عهد وميثاق وأشهد عليه أناسًا من وجوه المهاجرين والأنصار‏.‏ فكفَّ المسلمون عنه ورجعوا إلى أن يفي لهم بما أعطاهم من نفسه‏.‏

هذه الرواية تدل على أن عثمان إنما طلب المهلة حتى يأتيه المدد، وفي الطبري ‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 664‏]‏ عدا ذلك أنه كان يستعد للقتال بالسلاح وقد كان اتخذ جندًا عظيمًا من رقيق الخُمس‏.‏

  كتاب عثمان إلى عامله بمصر

‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 662، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 59‏.‏‏]‏ بقتل محمد بن أبي بكر‏:‏

جاء المصريون يشكون من ابن أبي سرح، فكتب إليه عثمان كتابًا يتهدده فيه، فأبى ابن أبي سرح أن يقبل ما نهاه عنه عثمان، وضرب بعض من أتاه من قبل عثمان من أهل مصر فقتله، فخرج من أهل مصر جماعة فنزلوا المسجد وشكوا إلى الصحابة في مواقيت الصلاة ما صنع ابن أبي سرح بهم فقال طلحة بن عبيد اللَّه، فكلم عثمان بكلام شديد وأرسلت عائشة ـ رضي اللَّه عنه ـا إليه فقالت‏:‏ تقدم إليك أصحاب رسول اللَّه وسألوك عزل هذا الرجل فأبيت، فهذا قد قتل منهم رجلًا فأنصفهم من عاملك، ودخل عليه عليّ بن أبي طالب فقال‏:‏ إنما يسألونك رجلًا مكان رجل وقد ادعوا قِبَلَه دمًا، فاعزله عنهم، واقض بينهم فإن وجب عليه حق فأنصفهم منه‏.‏ فقال لهم‏:‏ اختاروا ‏[‏ص 167‏]‏ رجلًا أوليه عليكم مكانه، فأشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر‏.‏ فقالوا‏:‏ استعمل علينا محمد بن أبي بكر فكتب عهده وولاَّه‏.‏

ويقال‏:‏ إن بعض أهل المدينة من مبغضي عثمان حرَّض مروان بن الحكم أن يكتب عن لسانه كتابًا إلى والي مصر بقتل محمد ورفاقه وأرسلوا الكتاب مع غلام لعثمان‏.‏ فسار الغلام على بعير يسرع في مشيه‏.‏ فلما خرج من المدينة وبلغهم سألوه عن وجهته، فقال‏:‏ أنا غلام أمير المؤمنين‏.‏ قالوا‏:‏ أمعك كتاب‏؟‏‏.‏ قال‏:‏ لا‏.‏ ففتشوه، فوجدوا الكتاب في أنبوبة من الرصاص، ففتحوه، فإذا فيه‏:‏ ‏"‏إذا أتاك محمد بن أبي بكر وفلان وفلان فاحتل في قتلهم، وأبطل كتابه، وقرّ على عملك حتى يأتيك رأيي في ذلك إن شاء اللَّه تعالى‏.‏‏"‏

فلما قرأ محمد الكتاب رجع إلى المدينة مع من معه والغلام، ودخل على عثمان ومعه عليّ بن أبي طالب‏.‏ فقال عليّ‏:‏ هذا الغلام غلامك‏؟‏‏.‏ قال‏:‏ نعم، والبعير بعيرك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فأنت كتبت هذا الكتاب‏؟‏‏.‏ قال‏:‏ لا واللَّه ما كتبت هذا الكتاب، ولا أمرت به، ولا علم لي به‏.‏ قال عليّ‏:‏ والخاتم خاتمك‏؟‏‏.‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فكيف يخرج غلامك ببعيرك بكتاب عليه خاتمك ولا تعلم‏؟‏‏.‏ فحلف أنه لا يعلم شيئًا من ذلك‏.‏ فقال عليّ‏:‏ لا يحلف عثمان إلا صادقًا فهو بريء من هذا الأمر‏.‏ ولكنهم عرفوا أن الخط خط كاتبه مروان بن الحكم، وكان عنده في الدار فسألوه أن يدفعه إليهم فأبى خوفًا عليه أن يقتل‏.‏ فطلب إليه المصريون أن يخلع نفسه فأبى، فارتفعت الأصوات‏.‏ فقام عليّ وأخرج المصريين وخرج معهم، ثم رجع المصريون، وانضم إليهم أشياعهم، فحاصروه في داره ومنعوه الماء‏.‏

وجاء في الطبري ‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 665‏]‏ أنهم وجدوا في الكتاب‏:‏ ‏"‏بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏.‏ أما بعد، فإذا قدم عليك عبد الرحمن بن عديس فاجلده مائة جلدة، واحلق رأسه ولحيته، وأطل حبسه حتى يأتيك أمري، وعمرو بن الحمق فافعل به مثل، وسودان بن حمران مثل ذلك، وعروة بن النباع الليثي مثل ذلك‏.‏‏"‏

فلما كلمه المصريون في ذلك قال‏:‏

‏"‏واللَّه ما كتبت، ولا أمرت، ولا شوورت، ولا علمت‏"‏‏.‏ فقال المصريون‏:‏ فمن كتبه‏؟‏‏.‏ قال‏:‏ لا أدري‏.‏ قال‏:‏ أَفَيُجترأ عليك فيُبعث غلامك، وجمل من صدقات المسلمين، ويُنقش على خاتمك، ويُكتب إلى عاملك بهذه الأمور العظام وأنت لا تعلم‏؟‏‏!‏ قالوا‏:‏ فليس مثلك بوَلي‏.‏ اخلع نفسك من هذا الأمر كما خلعك اللَّه منه، قال‏:‏ لا أخلع قيمصًا ألبسنيه اللَّه عز وجل ‏[‏روى ابن ماجه في ‏(‏حديث 112‏)‏ عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏:‏ ‏"‏يا عثمان إن ولاَّك اللَّه هذا الأمر يومًا، فأرادك المنافقون أن تخلع قيمصك الذي قَمَّصَك اللَّه فلا تخلعه‏"‏‏.‏ يقول ذلك ثلاث مرات‏.‏ قال النعمان‏:‏ فقلت لعائشة‏:‏ ما منعك أن تُعْلِمِي الناس بهذا‏؟‏‏.‏ قالت‏:‏ أُنْسِيتُهُ‏.‏

كما أورد البلاذري في أنساب الأشراف ج 5/ص 76، من حديث نافع عن ابن عمر، أنه دخل على عثمان فقال له عثمان‏:‏ انظر ما يقول هؤلاء، يقولون‏:‏ اخلع نفسك أو نقتلك‏.‏ فقال له ابن عمر‏:‏ أَمُخَلَّدٌ أنت في الدنيا‏؟‏‏.‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ هل يزيدون على أن يقتلوك‏؟‏‏.‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ هل يملكون لك جنة أو نار‏؟‏‏.‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فلا تخلع قميص اللَّه عنك، فتكون سُنَّة كلما كره قومٌ خليفتهم خلعوه أو قتلوه‏.‏‏]‏ ‏[‏ص 168‏]‏‏.‏

وعلى كل حال أنكر عثمان علمه بالكتاب، وتبرأ منه، وحلف أنه لا يعلم شيئًا عنه، ولا بدَّ أنه صادق، وأن الكتاب مفتعل‏.‏

  اتهام عليٍّ بتزوير الكتاب رواية غريبة

جاء في دائرة المعارف الإسلامية، النسخة الإنجليزية ‏[‏دائرة المعارف الإسلامية، النسخة الإنكليزية، ‏(‏م 3/ص 1010‏)‏‏.‏‏]‏، ‏"‏إن البلاذري روى دون غيره من المؤرخين أن عثمان اتهم عليًا بتزوير الكتاب، وهذا ما ظنه كيتاني في حولياته ‏[‏حوليات كيتاني ج 8/ص 159‏]‏ من غير أن يطَّلع على رواية البلاذري‏"‏‏.‏

لم يتمكن كيتاني من الإطلاع على رواية البلاذري، لأنها مذكورة في كتاب ‏"‏أنساب الأشراف‏"‏ الذي لا يزال تحت الطبع ببيت المقدس، وقد عثرت على الجزء الحادي عشر منه بمكتبة الجامعة المصرية، وهو مطبوع على الحجر بمدينة غريفز ولد سنة 1883، وليس فيه ذكر لهذه الرواية، لأن هذا الجزء يبدأ بذكر مصعب بن الزبير في أيام عبد الملك‏.‏

إن دائرة المعارف الإسلامية لم تبد رأيها في توجيه هذه التهمة إلى عليّ، بل أوردت ذلك كي يعلم أن هناك رواية أخرى غير ما أجمع عليه المؤرخون من اتهام مروان‏.‏ وأن كيتاني تبادر إلى ظنه أن عثمان اتهم عليًا فطابق ظنه هذا رواية البلاذري التي نأسف لعدم تمكننا من الإطلاع عليها مثل كيتاني‏.‏ وكان الأجدر بدائرة المعارف أن لا تترك المسألة معلقة هكذا من غير أن نناقشها ونشير إلى عدم صحة هذه الرواية وبعدها عن الصواب‏.‏

وإنا نقول‏:‏ إنه لم يدر بخلد عثمان أن يتهم عليًا، ولا يمكن أن يدور بخلده ذلك، لأن الغلام الذي خرج يحمل الكتاب لتوصيله إلى والي مصر هو غلام عثمان، والبعير بعيره، والخاتم خاتمه، وهذا الخاتم لا يتوصل إليه علي، بل يتوصل إليه مروان كاتب عثمان، ومستشاره، وملازمه في داره‏.‏ أضف إلى ذلك أنهم عرفوا أن الخط خط مروان هذا من جهة‏.‏ ومن جهة أخرى ‏[‏ص 169‏]‏ فإنه لا حظَّ لعلي في تزوير الكتاب، فإنه إذا لم يضبط ووصل إلى يد الوالي نفذ أمر عثمان القاضي بإعدام محمد بن أبي بكر، أو إعدام غيره ممن قدموا المدينة وعادوا إلى مصر، أو تعذيبهم وهم ليسوا أعداء لعليّ، بل من محبيه، وعلى عكس ذلك كان مروان، فإن من مصلحته القضاء على محمد بن أبي بكر، أو غيره من المتآمرين على الخليفة المعارضين لحكم ابن أبي سرح‏.‏

  اشتداد الحصار

‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 670، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 62‏]‏‏.‏

لما اشتد الحصار على عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ أرسل إلى عليٍّ، وطلحة، والزبير، فحضروا فأشرف عليهم فقال‏:‏

‏"‏يا أيها الناس‏.‏ اجلسوا فجلسوا يا أهل المدينة أستودعكم اللَّه وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي‏.‏ أنشدكم اللَّه هل تعلمون أنكم دعوتم اللَّه عند مصاب عمر أن يختار لكم ويجمعكم على خيركم‏.‏ أتقولون‏:‏ إن اللَّه لم يستجب لكم وهنتم عليه، وأنتم أهل حقه‏.‏ أم تقولون‏:‏ هان على اللَّه دينه فلم يبال من ولى، والدين لم يتفرق أهله يومئذٍ، أم تقولون‏:‏ لم يكن أخذ عن مشورة إنما كان لمكابرة فوكل اللَّه الأمة إذا عصته ولم يشاوروا في الإمامة، أم تقولون‏:‏ إن اللَّه لم يعلم عاقبة أمري‏.‏ وأنشدكم باللَّه أتعلمون لي من سابقة خير وقدم خير قدمه اللَّه لي يحق على كل من جاء بعدي أن يعرفوا لي فضلها، فمهلًا لا تقتلوني فإنه لا يحل إلا قتل ثلاثة‏:‏ رجل زنى بعد إحصانه، أو كفر بعد إيمانه، أو قتل نفسًا بغير حق‏.‏ فإنكم إذا قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم، ثم لم يرفع اللَّه عنكم الاختلاف أبدًا‏"‏ ‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 672، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 62‏]‏‏.‏

قالوا‏:‏ أما ما ذكرت من استخارة الناس بعد عمر، ثم ولوك فإن كل ما صنع اللَّه خيرة، ولكن اللَّه جعلك بلية ابتلى بها عباده‏.‏ وأما ما ذكرت من قدمك وسلفك مع رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، فقد كنت كذلك، وكنت أهلًا للولاية، ولكن أحدثت ما علمته، ولا نترك إقامة الحق عليك مخافة الفتنة عامًا قابلًا‏.‏ وأما قولك إنه لا يحل إلا قتل ثلاثة، فإنا نجد في كتاب اللَّه قتل غير الثلاثة الذين سميت‏:‏ قتل من سعى في الأرض فسادًا، وقتل من بغى، ثم قاتل على بغيه، وقتل من حال دون شيء من الحق ومنعه وقاتل دونه، وقد بغيت ومنعت وحلت دونه وكابرت عليه، ولم تقد من نفسك من ظلمت، وقد تمسكت بالإمارة علينا‏.‏ فإن زعمت أنك لم تكابرنا عليها فإن الذين قاموا دونك ومنعوك منا إنما يقاتلون لتمسكك بالإمارة، فلو خلعت نفسك لانصرفوا عن القتال معك‏.‏

فسكت عثمان، ولزم الدار، وأمر أهل المدينة بالرجوع، وأقسم عليهم فرجعوا إلا ‏[‏ص 170‏]‏ الحسن بن علي، وابن عباس، ومحمد بن طلحة، وعبد اللَّه بن الزبير، وأشباهًا لهم، واجتمع إليهم أناس كثير‏.‏

لم يردّ عليهم عثمان، بل سكت‏.‏ فهل اقتنع بأقوالهم وحججهم‏؟‏ إنه لو اقتنع لتنازل عن الخلافة‏.‏ فإذا لم يقتنع‏.‏ فلماذا لم يقرع الحجة بالحجة‏؟‏‏.‏ لكنه على كل حال أصر على عدم التنازل كما أصر على التمسك بسياسته، فلم يعزل أحدًا ممن كرهوه، ولم يجب مطالبهم التي كان قد علم بها من قبل، فلا بدَّ أنه كان يرى أنهم مخطئون فيما يطلبون‏.‏

  المحاصرون يمنعون عنه الماء

‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 672، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 63‏]‏‏:‏

كانت مدة الحصار أربعين يومًا ‏[‏ورد في الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 668‏:‏ ‏(‏فأقاموا على حصاره تسعة وأربعين يومًا‏"‏ ‏]‏، أو ما يقرب من ذلك، فلما مضت ثمان عشرة ليلة قدم ركبان من الأمصار فأخبروا بخير من تهيأ إليهم من الجنود وشجعوا الناس، فعندئذٍ حالوا بين الناس وبين عثمان ومنعوه كل شيء حتى الماء، فأرسل عثمان إلى عليٍّ سرًا، وإلى طلحة، والزبير، وأزواج رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏:‏ ‏"‏إنهم قد منعوني حتى الماء، فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا الماء فافعلوا‏"‏ ‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 672، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 63‏]‏‏.‏

فكان أولهم إجابة عليٌّ وأم حبيبة زوج النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، فجاء عليّ في الغلس ‏[‏الغلس‏:‏ ظلمة آخر الليل‏.‏ ‏[‏القاموس المحيط، مادة‏:‏ غلس‏]‏‏.‏‏]‏ فقال‏:‏

‏"‏يا أيها الناس، إن الذي تفعلون لا يشبه أمر المؤمنين، ولا أمر الكافرين فلا تقطعوا عن هذا الرجل الماء ولا المادة، فإن الروم وفارس لتأسر فتطعم وتسقي‏.‏‏"‏

فقالوا‏:‏ لا واللَّه ولا نعمة عين‏.‏ فرمى بعمامته في الدار بأني قد نهضت ورجعت، وجاءت أم حبيبة على بغلة لها مشتملة على إداوة‏.‏ فضربوا وجه بغلتها فقالت‏:‏ إن وصايا بني أمية عند هذا الرجل‏.‏ فأحببت أن أسأله عنها لئلا تهلك أموال الأيتام والأرامل‏.‏ فقالوا‏:‏ كاذبة، وقطعوا حبل البغلة بالسيف، فنفرت وكادت تسقط عنها، فتلقاها الناس، فأخذوها وذهبوا بها إلى بيتها‏.‏

وتجهزت عائشة خارجة إلى الحج هاربة واستتبعت أخاها، فأبى، فقالت‏:‏

‏"‏أمَ واللَّه لئن استطعت أن يحرمهم اللَّه ما يحاولون لأفعلن‏"‏ ‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 673، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 64‏]‏‏.‏ وجاء حنظلة الكاتب حتى ‏[‏ص 171‏]‏ قام على محمد بن أبي بكر فقال‏:‏ يا محمد، تستتبعك أم المؤمنين فلا تتبعها، وتدعوك ذؤبان العرب إلى ما لا يحل فتتبعهم‏؟‏‏!‏‏.‏ فقال‏:‏ ما أنت وذاك يا ابن التميمية‏؟‏‏.‏ فقال‏:‏ يا ابن الخثعمية إن هذا الأمر إن صار إلى التغلب غلبتك عليه بنو عبد مناف وانصرف وهو يقول‏:‏

عجبت لما يخوض الناس فيه *** يرومون الخلافة أن تزولا

ولو زالت لزال الخير عنهم *** ولاقوا بعدها ذلًا ذليلًا

وكانوا كاليهود أو النصارى ‏[‏ورد في ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 64‏:‏ ‏"‏وكالنصارى‏"‏‏.‏‏]‏ *** سواء كلهم ضلوا السبيلا

ولحق بالكوفة‏.‏ وخرجت عائشة وهي ممتلئة غيظًا على أهل مصر وجاءها مروان بن الحكم فقال‏:‏ يا أم المؤمنين، لو أقمت كان أجدر أن يراقبوا هذا الرجل‏.‏ فقالت‏:‏ أتريد أن يصنعوا بي كما صنع بأم حبيبة‏.‏ ثم لا أجد من يمنعني لا واللَّه ولا أُعيّرُ ولا أدري إلى ما يسلم أمر هؤلاء‏.‏

وبلغ طلحة والزبير ما لقي عليّ، وأم حبيبة، فلزموا بيوتهم، وبقي عثمان يسقيه آل حزم في الغفلات‏.‏ عليهم الرقباء‏.‏ فأشرف عثمان على الناس فاستدعى ابن عباس، فأمره أن يحج بالناس وكان ممن لزم الباب‏.‏ فقال‏:‏ جهاد هؤلاء أحب عليَّ من الحج، فأقسم عليه فانطلق‏.‏

  حجُّ ابن عباس بالناس وكتاب عثمان إلى أهل مكة

‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 685‏]‏ ‏(‏سنة 35 هـ/ 656 م‏)‏‏:‏

قال عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ وهو محصور‏:‏ يا ابن عباس، اذهب إلى خالد بن العاص ‏[‏التروية‏:‏ اليوم الثامن من ذي الحجة‏]‏ وهو بمكة فقل له‏:‏ يقرأ عليك أمير المؤمنين السلام ويقول لك‏:‏ إني محصور منذ كذا وكذا يومًا لا أشرب إلا من الأجاج ‏[‏الأجاج‏:‏ الماء الشديد الملوحة‏]‏، وقد مُنعت بئرًا اشتريتها من صلب مالي رومه، فإنما يشربها الناس ولا أشرب منها شيئًا، ولا آكل إلا مما في بيتي، مُنعت أن آكل مما في السوق شيئًا، وأنا محصور كما ترى، فأمره، وقل له فليحج بالناس وليس بفاعل‏.‏ فإن أبى فاحجج أنت بالناس‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ فقدمت الحج في العشر، فجئت خالد بن العاص فقلت له ما قال لي عثمان‏.‏ فقال لي‏:‏ هل لي طاقة بعداوة من ترى، وهذا الأمر لا يقضى إلا إليه يعني عليًا وأنت أحق أن تحمل له ذلك، فحججت بالناس‏.‏ ثم قفلت في آخر الشهر فقدمت المدينة، وإذا عثمان قد قتل، وإذا الناس يتواثبون على رقبة عليّ بن أبي طالب، فلما رآني عليّ ترك الناس وأقبل عَلَيَّ فانتجاني فقال‏:‏ ما ‏[‏ص 172‏]‏ ترى فيما وقع، فإنه قد وقع أمر عظيم كما ترى لا طاقة لأحد به‏.‏ فقلت‏:‏ أرى أنه لا بدَّ للناس منك اليوم فأرى أنه لا يبايع اليوم أحد إلا اتهم بدم هذا الرجل‏.‏ فأبى إلا أن يبايع فاتّهم بدمه‏.‏

لما خرج ابن عباس يريد الحج مرَّ بعائشة ـ رضي اللَّه عنها ـ في الصّلصُل بنواحي المدينة على سبعة أميال منها فقالت‏:‏ يا ابن عباس، أنشدك اللَّه فإنك قد أعطيت لسانًا إزعيلًا ‏[‏إزعيلًا‏:‏ نشيطًا‏]‏ أن تخذل عن هذا الرجل، وأن تشكك فيه الناس فقد بانت لهم بصائرهم وأنهجت، ورُفعت لهم المنار، وتحلبوا من البلدان لأمر قد جمّ‏.‏ وقد رأيت طلحة ابن عبيد اللَّه قد اتخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيح فإن يَلٍ يَسر بسيرة ابن عمه أبي بكر ـ رضي اللَّه عنه ـ‏.‏

فأجابها ابن عباس‏:‏ يا أمة لو حدث بالرجل حدث ما فزع الناس إلا إلى صاحبنا يعني عليًا فقال‏:‏ إيهًا عنك إني لست أريد مكابرتك ولا مجادلتك‏.‏ هذا يبين لنا موقف عائشة ورأيها، فإنها أرادت من ابن عباس أن يقوم بالدعوة ضد عثمان في مكة، وأن يشكك الناس فيه، وكانت تريد أن يتولى الخلافة بعد عثمان طلحة بن عبيد اللَّه، لا عليّ‏.‏ وطلحة أسلم بدعوة أبي بكر الصدِّيق، وقد أبلى يوم أحد بلاءً عظيمًا، ووقى رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ بنفسه، واتقى عنه النبل حتى شلُّت إصبعه، وضرب ضربة على رأسه، وحمل رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ على ظهره حتى صعد معه الصخرة، وكان شديدًا على عثمان، وقتل يوم الجمل، وكان شهد ذلك اليوم محاربًا لعليِّ بن أبي طالب‏.‏ وقال طلحة يوم الجمل‏:‏

ندمت ندامة الكسعيّ لما *** شربت رضى بني جرم برغمي

اللَّهم خذ لعثمان حتى يرضى‏.‏ وقد كان أهل البصرة يريدون طلحة، كما كان أهل مصر يريدون عليًّا‏.‏ أما أهل الكوفة فكانوا يشتهون الزبير‏.‏

فعائشة كانت تريد طلحة، ولا ترغب في عليّ ـ رضي اللَّه عنه ـ، ويرجع السبب في نفورها منه إلى حديث الإفك ‏[‏راجع كتاب ‏"‏محمد رسول اللَّه‏"‏ للمؤلف‏]‏ فإن رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ لما استشار عليًا في شأن عائشة قبل أن ينزل الوحي ببراءتها قال‏:‏ ‏"‏يا رسول اللَّه لم يضيِّق اللَّه عليك والنساء سواها كثير‏.‏‏"‏

  كتاب عثمان إلى أهل مكة

‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 685‏]‏‏:‏

كتب عثمان كتابًا إلى أهل مكة يسألهم أن يأخذوا له بالحق ممن حصروه، وأعطاه لابن ‏[‏ص 173‏]‏ عباس‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ فقرأت هذا الكتاب عليهم قبل التروية ‏[‏التروية‏:‏ اليوم الثامن من ذي الحجة‏]‏ بمكة بيوم ثم قدمت المدينة‏.‏

وهذا نص الكتاب كما نسخه عبد المجيد بن سُهَيْل بن عكرمة ‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 685‏]‏ ‏"‏بسم اللَّه الرحمن الرحيم من عبد اللَّه عثمان أمير المؤمنين إلى المؤمنين والمسلمين‏.‏ سلام عليكم‏.‏ فإني أحمد اللَّه إليكم الذي لا إله إلا هو‏.‏ أما بعد، فإني أذكركم باللَّه عز وجل الذي أنعم عليكم، وعلمكم الإسلام، وهداكم من الضلالة، وأنقذكم من الكفر، وأراكم البينات، وأوسع عليكم من الرزق، ونصركم على العدو، وأسبغ عليكم نعمته‏.‏ فإن اللَّه عز وجل يقول وقوله الحق‏:‏ ‏{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 34‏]‏ وقال عز وجل‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ‏.‏ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا‏}‏ إلى قوله ‏{‏لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 102ـ 105‏]‏ وقال وقوله الحق‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا‏}‏ إلى قوله ‏{‏وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6ـ 7‏]‏ وقال وقوله الحق‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ‏}‏ إلى قوله ‏{‏فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 6ـ 8‏]‏ وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا‏}‏ إلى قوله ‏{‏وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 77‏]‏ وقال وقوله الحق‏:‏ ‏{‏فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏}‏ إلى قوله ‏{‏فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏ 16‏]‏ وقال وقوله الحق‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا‏}‏ إلى قوله ‏{‏وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 91ـ 96‏]‏ وقال وقوله الحق‏:‏ ‏{‏أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ‏}‏ إلى قوله ‏{‏وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 59‏]‏ وقال وقوله الحق‏:‏ ‏{‏وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ‏}‏ إلى قوله ‏{‏وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 55‏]‏ وقال وقوله الحق‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهُ‏}‏ إلى قوله ‏{‏فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 10‏]‏‏.‏

أما بعد، فإن اللَّه عز وجل رضي لكم السمع والطاعة والجماعة، وحذركم المعصية والفرقة والاختلاف، ونبَّأكم ما قد فعله الذين من قبلكم، وتقدم إليكم فيه ليكون له الحجة عليكم إن عصيتموه، فاقبلوا نصيحة اللَّه عز وجل واحذروا عذابه، فإنكم لن تجدوا أمة هلكت إلا من بعد أن تختلف إلا أن يكون لها رأس يجمعها، ومتى ما تفعلوا ذلك لا تقيموا الصلاة جميعًا وسُلط عليكم عدوُّكم ويستحل بعضكم حُرم بعض، ومتى يفعل ذلك لا يُقم للَّه سبحانه دين، وتكونوا شيعًا، وقد قال اللَّه عز وجل لرسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏:‏ ‏{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 159‏]‏ وإني أوصيكم بما أوصاكم اللَّه، وأحذركم عذابه، فإن شعيبًا ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ قال لقومه‏:‏ ‏{‏وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيَبكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ‏}‏ إلى قوله ‏{‏رَحِيمٌ وَدُودٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 89ـ 90‏]‏ ‏[‏4‏]‏‏.‏

أما بعد، فإن أقوامًا ممن كان يقول في هذا الحديث، أظهروا للناس إنما يدعون إلى كتاب اللَّه عز وجل والحق، ولا يريدون الدنيا ولا المنازعة فيها‏.‏ فلما عُرض عليهم الحق إذا الناس في ذلك شتى، منهم آخذ للحقٍ ونازعٌ عنه حين يُعطاه، ومنهم تارك للحقٍ ونازل عنه في الأمر يريد أن يبتزه بغير الحق‏.‏ طال عليهم عمري، ورَاث عليهم أملهم إلا مرة فاستعجلوا القدر، وقد كتبوا إليكم أنهم قد رجعوا بالذي أعطيتهُم، ولا أعلم أني تركت من الذي عاهدتهم عليه شيئًا كانوا زعموا أنهم يطلبون الحدود فقلت‏:‏ أقيموها على من علمتم تعداها‏.‏ أقيموها على من ظلمكم من قريب أو بعيد قالوا‏:‏ كتابُ اللَّه يتلى‏.‏ فقلت‏:‏ فليتله من تلاه غير غال فيه بغير ما أنزل اللَّه في الكتاب، وقالوا‏:‏ المحروم يرزق والمال يُوفى ليُستن فيه السنة الحسنة ولا يُعتدى في الخُمس، ولا في الصدقة، ويؤمر ذو القوة والأمانة، وتُرَدّ مظالم الناس إلى أهلها فرضيتُ بذلك واصطبرت له وجئت نسوة رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ حتى كلمتهن فقلت‏:‏ ما تأمرنني‏؟‏‏.‏ فقلن‏:‏ تؤمر عمرو بن العاص وعبد اللَّه بن قيس، وتدع معاوية، فإنما أمَّره أمير قبلك فإنه مصلح لأرضه راضٍ به جنده، واردد عمرًا فإن جنده راضون به وأمره فليصلح أرضه فكل ذلك فعلت‏.‏ وأنه اعتديَّ علي بعد ذلك وعدا على الحق‏.‏

كتبت إليكم وأصحابي الذين زعموا في الأمر استعجلوا القدر ومنعوا مني الصلاة وحالوا بيني وبين الصلاة وابتزوا مما قدروا عليه بالمدينة كتبت إليكم كتابي هذا وهم يخبرونني إحدى ثلاث‏:‏ إما يقيدونني بكل رجل أصبته خطأ أو صوابًا غير متروك منه شيء، وإما أعتزل الأمر فيؤمرون آخر غيري، وإما يرسلون إلى من أطاعهم من الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من الذي جعل اللَّه سبحانه لي عليهم من السمع والطاعة، أما إقادتي من نفسي فقد كان من قبلي خلفاء تخطئ وتصيب فلم يُستقد من أحد منهم، وقد علمت إنما يريدون نفسي‏.‏ وأما أن أتبرأ من الإمارة فإن يكلبوني أحبُّ إليَّ من أن أتبرأ من عمل اللَّه عز وجل وخلافته‏.‏

وأما قولكم يُرسلون إلى الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من طاعتي فلست عليكم بوكيل، ولم أكن استكرهتهم من قبل على السمع والطاعة‏.‏ ولكن أتوها طائعين يبتغون مرضاة اللَّه عز وجل، وإصلاح ذات البين‏.‏ ومن يكن منكم إنما يبتغي الدنيا فليس بنائل منها إلا ما كتب اللَّه عز وجل، ومن يكن إنما يريد وجه اللَّه والدار الآخرة وصلاح الأمة وابتغاء مرضاة اللَّه عز وجل والسنة ‏[‏ص 175‏]‏ الحسنة التي استن بها رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ والخليفتان من بعده ـ رضي اللَّه عنه ـما فإنما يجزي بذلكم اللَّه‏.‏ وليس بيدي جزاؤكم ولو أعطيتكم الدنيا كلها لم يكن في ذلك ثمن لدينكم ولم يغنٍ عنكم شيئًا‏.‏ فاتقوا اللَّه واحتسبوا ما عنده فمن يرضى بالنكث منكم فإني لا أرضاه له ولا يرضى اللَّه سبحانه أن تنكثوا عهده‏.‏ وأما الذي يخبرونني فإنما كله النزع والتأمير فملكت نفسي ومن معي ونظرت حكم اللَّه وتغيير النعمة من اللَّه سبحانه وتعالى وكرهتُ سُنة السوء وشقاق الأمة وسفك الدماء فإني أنشدكم باللَّه والإسلام ألا تأخذوا إلا الحق وتعطوه مني، وتركَ البغي على أهله وخذوا بيننا بالعدل كما أمركم اللَّه عز وجل، فإني أنشدكم اللَّه سبحانه وتعالى الذي جعل عليكم العهد والمؤازرة في أمر اللَّه فإن اللَّه سبحانه قال وقوله الحق‏:‏ ‏{‏وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 34‏]‏ فإن هذه معذرة إلى اللَّه ولعلكم تذكرون‏.‏

أما بعد، فإني لا أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم‏.‏ وإن عاقبتُ أقوامًا فما أبتغي بذلك إلا الخير، وإني أتوب إلى اللَّه عز وجل من كل عمل عملته وأستغفره إنه لا يغفر الذنوب إلا هو‏.‏ إن رحمة ربي وسعت كل شيء إنه لا يقنط من رحمة اللَّه إلا القوم الضالون، وإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون‏.‏ وأنا أسأل اللَّه عز وجل أن يغفر لي ولكم وأن يؤلف قلوب هذه الأمة على الخير ويكرّه إليها الفسق‏.‏

والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أيها المؤمنون والمسلمون‏.‏

هذا كتاب طويل كتبه عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ، وقرأه ابن عباس على أهل مكة في موسم الحج‏.‏ وقد استشهد بكثير من آيات القرآن الكريم لأنه كان يحفظ القرآن، ويكثر من تلاوته ويتعبَّد به‏.‏ وهذه الآيات التي استشهد بها كان غرضه من إيرادها حض المؤمنين على طاعة اللَّه والاعتصام بحبله، والتخويف من عذاب اللَّه وعاقبة نقض الأيمان بعد توكيدها، ووجوب طاعة اللَّه والرسول وأولي الأمر ولزوم الجماعة والتحذير من الاختلاف والتفريق‏.‏

ثم أمر بإقامة الحدود ورد المظالم وشكا إليهم ما يلقاه من الحصر ومنع الماء والزاد عنه وقال‏:‏ إنه لا يعتزل ولا يتخلى عن واجبه، ولم يكره أحدًا على اختياره خليفة، بل اختاروه طائعين، وذكر أنه تجنب سفك الدماء والشقاق‏.‏ ثم تاب إلى اللَّه واستغفره ولم يبرئ نفسه، فإن النفس أمارة بالسوء وسأل اللَّه أن يؤلف بين قلوب الأمة‏.‏

إلا أن هذا الكتاب لم يأت بالغرض الذي رمى إليه عثمان من تحريره وتلاوته، لأن المحاصرين كانوا قد شددوا عليه الحصار فإن ابن عباس لما عاد إلى المدينة بعد تأدية فريضة الحج وجد عثمان قد قتل‏.‏